جان لوئيس بوركهارت
189
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
أو تقايض عليها بجلود الثيران وبالجمال . كذلك تأتى قوافل صغيرة قوامها البشاريون من سواكن - وهي رحلة عشرة أيام - حاملة التوابل والأقمشة الهندية وعلى الأخص التيل الرفيع ( الكمبريت ) . ولا يسلك التجار الأجانب هذا الطريق خوفا من غدر البشاريين ، على أنهم كثيرا ما يتخذون هذا الطريق الموفور الماء إذا اتفق وجود الحجاج ببربر في طريقهم إلى مكة في أثناء عودة قافلة من هذه القوافل إلى سواكن . ويسلك الحجاج السودانيون عادة أحد طريقين ، فإما الطريق المحاذى لضفاف النيل وإما طريق التاكة الذي سأفصل الكلام عليه فيما بعد . وقد راودتني شخصيا فكرة الرحلة إلى التاكة ، وكنت أرجو أن أصل منها إلى الحدود الشمالية للحبشة صوب مصوع . وكان ببربر كثيرون ممن وفدوا عليها من سنار ، فلما استفسر منهم أصحابي عن قريبى الذي زعمت أنه مفقود أجمعوا على أنهم لم يروا بسنار إذ ذاك رجلا أبيض . لذلك لم يبق أمامى إلا أن أزعم لهم أنه لا بد قد بارح سنار إلى الحبشة ، وأمكنني بذلك أن أستفسر عن الطريق الصحراوى إلى التاكة وسواكن دون أن أثير حولى الشبهات والظنون ، وكان أصحابي يحثوننى على اتخاذ هذا الطريق والإقامة ببربر حتى تواتينى الفرصة للخروج في الرحلة . ولا شك أنه كان يسرهم أن أركب هذا الخطر ليستريحوا منى نهائيا إن لقيت في الرحلة حتفى ، ولعلهم كانوا يخشون إن عدت إلى مصر أن أنتقم منهم لمسلكهم معي . على أنني بعد التحري والاستقصاء أيقنت أن هذا الطريق يجب ألا يتخذه غريب ، وأهل بربر أنفسهم لا يتخذونه إلا في جماعة كبيرة منهم ، فهم لا يأمنون جانب البشاريين الذين لا يترددون في قتل الرجل منهم ولو كان موصى به من المك نفسه ، ما داموا يرتجون من وراء قتله مغنما مهما يكن زهيدا . ولا بد للمسافر في هذا الطريق من أن يحمل معه بضاعة ولو قليلة ليقايض بها على الزاد في أثناء الرحلة ، وفي هذا ما يكفى لإثارة جشع البشاريين وحملهم على الفتك به . وعلمت خلال بحثي واستقصائى أنه قد قدم بربر قبل خمس سنوات أو ست